Couverture Ttribak Final

 

 

كتاب "الصحافة والسياسة في شمال المغرب ما بين 1912 و1956"، للأستاذ عبد العزيز الطريبق، الصادر عن دار "كلمات للنشر" ينقلنا إلى عالم الصحافة الوطنية (خاصة) في شمال المغرب خلال فترة الحماية الإسبانية. الكتاب يسعى لتقريبنا من ظروف نشأة هذه الصحافة والبنية التحتية الملازمة لها والقوانين المؤطرة لها، وكذلك محتواها ومواقفها السياسية الرئيسية على امتداد فترة الحماية.

ويخبرنا الكتاب بأن المطبعة دخلت تطوان لأول مرة بتاريخ 6/2/1860 مع الطوابير الإسبانية الأولى التي احتلت المدينة فيما يعرف ب"حرب تطوان. وقد فرضت ضرورة امتلاك مطبعة عربية خاصة نفسها على النخبة الوطنية في تطوان في نهاية سنوات العشرينيات من القرن الماضي، خاصة بعد إنشاء المدرسة "الأهلية التي زاد معها الطلب على الكتب المدرسية باللغة العربية. وهكذا أنشئت مطبعة "المهدية" بتاريخ 21/11/1928 من طرف مجموعة من الوطنيين...

ومكنت "المهدية" من طباعة أهم الكتب الصادرة باللغة العربية والمجلات وجرائد الوطنيين في منطقة الشمال. هذا إضافة إلى طباعة نصوص قوانين ومناشير ودوريات "حزب الإصلاح الوطني" التي كانت تزعج السلطات الإسبانية الحاكمة.

وأطرت هذه الصحافة عدة قوانين من إصدار الحماية الإسبانية، كقانون 22 يوليوز 1927. ثم ظهير 11/1/1936 والقواعد التوجيهية للصحافة العربية – فبراير 1942 إذ عمدت السلطات الفرانكاوية في البداية، من باب الحسابات السياسية الخاصة بها، إلى ترك الصحافة العربية تنمو ب"حرية، لكن ومع انتهاء الحرب الأهلية بانتصار نظام فرانكو، وبداية الحرب العالمية الثانية، عرف الوضع تشددا واضحا.

من الناحية التنظيمية، شهدت  سنة 1920 خلق مكتب للإعلام والصحافة لدى المفوض السامي بتطوان، تابع للسلطات الإسبانية. وتم حذف هذه المصلحة سنة 1931، ليعاد تنظيمها سنة 1936 تحت اسم "مديرية الصحافة"...

من جهة أخرى، تأسست "جمعية الصحافة الإسبانية-المغربية" في عام 1919. وقد عاشت إلى غاية سنة 1947، حيث ستدشن مرحلة أخرى أكثر حيوية انطلاقا من 15/11/1947. وكانت الجمعية تهتم قبل كل شيء ب"الدفاع عن المصالح المهنية للصحافيين وحمايتها". وكانت مفتوحة في وجه الصحافيين والمتعاونين مع الجرائد وغيرهم من حماة الجمعية الذين تختارهم اللجنة المسيرة للجمعية، بمن فيهم المغاربة.

وقد كان هناك، يخبرنا الكتاب، 138 شخصا يشتغلون في تطوان كصحافيين ستة 1955، يتوزعون ما بين محترفين أصحاب البطائق المهنية (28) وما بين صحافيين مداومين بدون بطاقة (49) ومتعاونين قارين (61).

واستطاعت الصحافة خلال فترة الجمهورية الإسبانية، في مطلع الثلاثينات، أن تعكس المخاض الذي كانت تعرفه الحركة الوطنية واهتماماتها المتنوعة التي كانت تصب كلها في اتجاه واحد: إعادة بناء وتدعيم الهوية المغربية وإعداد الشروط لتحقيق الهدف الأسمى: الاستقلال.

وكان على الصحافة الوطنية في الشمال، خلال حقبة الانقلاب الفرانكاوي، أن تشق طريقها في ظرفية مليئة بالأخطار وحبلى بأسوأ الاحتمالات. فلقد سارعت السلطات العسكرية الجديدة إلى تعليق كل الحريات في بلدها بما فيها حرية الصحافة. وكان انفتاحها اتجاه الوطنيين المغاربة يدخل ضمن التكتيك السياسي المؤقت بالضرورة، وقد عمل الوطنيون من خلال جرائدهم، طوال الوقت، على البحث عن حدود هذا المؤقت. وبصفة عامة، فإن هذه الصحافة دافعت كذلك على المطالب المغربية الأكثر إلحاحا وبسطت مرارا الغاية من كل عمل وطني، ألا وهي تحقيق الاستقلال. ومع التشدد السياسي الذي طبع سياسة السلطات الجديدة بعد انتصارها في الحرب الأهلية، انتقلت هذه الصحافة إلى مرحلة النقد لتحصد الغرامات والتوقيفات التعسفية.

وعكست هذه الصحافة، كذلك، قوة وحدة الوطنبين المغاربة في المنطقة الشمالية والتحامهم للنضال من أجل طرح المطلب الرئيسي للمغاربة، ألا وهو مطلب الاستقلال. وقد ابتدأ هذا سنة 1940، واستمر مع نشر "الميثاق الوطني" ومذكرة المطالبة بالاستقلال الموقعة من طرف "حزب الإصلاح الوطني" و"حزب الوحدة المغربية" في فبراير من سنة 1943.

ولم تمنع الاهتمامات السياسية من بروز الخبر الاجتماعي والثقافي وبروز الأجناس الصحافية المتنوعة الأخرى؛ وقد ظهرت الملحقات (الثقافية والدينية ) في هذه الحقبة؛ كما أن الإخراج التقني للجرائد ما فتئ يحظى باهتمام خاص. وكانت السنوات الأولى لما بعد الحرب العالمية الثانية سنوات صعبة بالنسبة للصحافة الوطنية ذات التوجه السياسي الواضح بحيث لم يبق لها سوى الاحتجاب بعد الغرامات المتعددة والضغوطات الكثيرة ("الحرية" و"الوحدة المغربية").

 ولعبت الصحافة الوطنية خلال مرحلة نفي الملك محمد الخامس، سنة 1953، وعلى الأخص منها جريدة "الأمة" منبر "حزب الإصلاح الوطني"، دورا على درجة كبيرة من الأهمية في الدفاع عن القضية الوطنية، ومن أجل تنوير الرأي العام المغربي والدولي فيما يخص مسار النضال الوطني وللحفاظ على معنويات المواطنين المغاربة. وقد عرفت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ظهور العديد من الجرائد والمجلات المتنوعة التي كانت تستجيب إلى هذا الحد أو ذاك لرغبات الجمهور القارئ. لكن هذه النشرات على تنوع مجال اهتمامها اتخذت بدورها موقفا رافضا واضحا من نفي محمد الخامس وساندت بذلك جريدة "الأمة" (التي ظهرت في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي) في مهمتها الإخبارية المنددة بالطغيان الفرنسي.

فتنوع هذه النشرات وتخصص بعضها كان يشكل دليلا على تكون جمهور متلقي خاص وأن الطلب صار في تزايد. وإذا كانت "لسان الدين" مجلة ثقافية عامة، فإن "الأنوار" كانت مجلة المسرح والسينما والراديو، و"الأنيس" كانت مجلة ثقافية وفنية وترفيهية؛ وقد جاءت "الرابطة الرياضية" فيما بعد للاهتمام بالرياضة.

وقد شكل هذا حالة استثنائية بالفعل في تلك المرحلة لا مثيل لها في باقي أنحاء البلاد الخاضعة للنفوذ الفرنسي.

وقد بلغت صحافة المنطقة الشمالية آنذاك درجة هامة من المهنية، كما هو الشأن بالنسبة ل"النهار/El Dia" اليومية المزدوجة اللغة، التي كانت تصدر في 12 صفحة؛ وكان هذا يعني التوفر على تنظيم دقيق وعلى قدرة هائلة للعمل. وهو نفس الأمر الذي كان يتوفر في "الأمة" التي كانت تصدر يوميا في أربع صفحات تتضمن آخر أخبار اليوم السابق (كانت الجريدة تنهي عملها التحريري في الثانية صباحا)، خصوصا عندما كان الأمر يتعلق بأعمال للمقاومة المسلحة في الجنوب، مما كان يفترض التوفر على شبكة ناجعة لجمع ونقل الأخبار بالسرعة الضرورية.

وفي النهاية، فإن كتاب عبد العزيز الطريبق، هذا، مستخرج من بحث أشمل لنيل دبلوم الدراسات العليا في الصحافة، بحث معزز بعدة حوارات مع شخصيات تاريخية عايشت المرحلة وبوثائق تاريخية ودراسة واسعة لصحافة تلك الحقبة.